الاثنين 11 صفر 1442  الموافق  28/09/2020 

مقال الدكتور احمد هارون

الزواج والحب.. رؤية نفسية

الزواج والحب.. رؤية نفسية

 

        الزواج ليس شكلا إجتماعيا فحسب.. ولكن على ما يبدو أنه ضرورة للحياة، بمعنى أن الحياة لا تستقيم أو لا تأخذ الشكل الطبيعى لها، إلا عن طريق الزواج.. أي أن النسق الطبيعى للحياة هو أن رجلا وامرأة يعيشان معا، وأن حال كل منهما يكون أفضل مما لو عاش بمفرده.. إنه نداء عميق داخل النفس- شعوري كان أو لا شعوري نداء لا أريد أن أكون وحيدا لابد من إقتسام المتاعب والأفراح الآلام والأوجاع مع شريك آخر، هذا هو الزواج.

·       غريزة الحب والزواج:

       الزواج إثنان يعيشان معا.. أما الحب فهو اثنان يرغبان في أن يعيشان معا، إن كلا من الحب والزواج هما من الإحتياجات النفسية الأساسية وربما الأولية للإنسان، فالحياة بلا حب صعبة جافة مملة خالية من السعادة والإثارة والترقب والتوقع.. والحياة بلا زواج هي حياة منقوصة، خاوية حتى وان كانت مليئة بالأصدقاء والصديقات، فالحب -وكذلك الزواج- غريزة فطرية لا يتعلم الإنسان كيف يحب، ولا يتعلم أنه في يوم ما سيكون زوج.. فكلها أمور نظرية فهو فجأة يجد نفسه يحب، وعند سن معينة يجد نفسه يبحث عن شريك الحياة، وبعد فترة معينة اإما حاصدا لخير ما فعل، أو نادما لجرم ما أقدم عليه.

·       الزواج بيت:

    الزواج بيت ثابت محدد له عنوان وسقف وجدران وباب مغلق ومفتاح لهذا الباب لا يملكه إلا الزوجان.. ويختلف موقع هذا البيت وما بداخله من مكونات بإختلاف الفقراء عن الأمراء وما بينهما من طبقات اجتماعية، ولكن ما يجمع بين كل هذه البيوت هو وجود زوجان خلف الباب، والذي قد يتحول في بعض الأحيان إلي قضبان، فتغلق وتصك جدرانه ومنافذه، ويتحول أحد الزوجان إلي سجان حارس لهذا السجن..

       الزواج رجل وامرأة يعيشان في بيت واحد وبشكل معلن لكل الناس وتكون نية الطرفين أن يستمر مدى الحياة، نية الخلود، نية الإستمرارية، فالزواج استقرار، وأي شكل من أشكال الزواج يخالف ذلك يكون زواجا منقوص.. زواج منقوص إن كان زواجا سريا، زواج منقوص ان لم يكن هناك بيت ثابت ومستقر وله عنوان معلوم، زواج منقوص إن لم يعيش الزوجان معا ولديهما الرغبة في ذلك.. زواج منقوص ومهزوز إذا لم ترفرف المودة الكاملة والرحمة المطلقة.. زواج منقوص إن لم يتواصل الزوجان جنسيا إلا إذا كان هناك سبب قهري ولا إرادة لهما فيه.. يصبح الزواج عذابا إن كان قائم على مكاسب مادية وتم التخطيط لذلك من الأساس، يصبح عذابا إن لم يكن هناك احترام متبادل بين الطرفين، ومشاعر تقدير أيا كان مسماها بينهما.

·       الملل الفكري:

       "لا يوجد شئ قبيح وشئ حسن.. ولكن أفكارنا عن الأشياء هي التي تجعلها كذلك".. فالملل يحدث على كل المستويات مادية ومعنوية.. جسدية وعاطفية.. وأيضا على المستوى الفكري.

      وأخطر أنواع الملل هو الملل الفكري، وذلك حين يتوقف مجرى الأفكار دون تجديد أو إبداع أو حتى محاولة للإبداع، فيكرر الإنسان نفسه برتابة ممللة، حين تكون الأفكار بسيطة وضحلة تافهة وسطحية روتينية وتقليدية.. تصبح الحياة سخيفة بلا معنى.. فالذي يعطي المعنى للأشياء.. الذي يعطي المعنى للحياةهو الفكر.

      من الخطورة من أن يتزوج اثنان وبينهما هوة فكرية واسعة فهذا ليس زواجا، بل هو التقاء جسدي فقط، أو زواج محدد الفرص.. زواج منقوص. حتى الجسد يفقد قدرته على المتعة فيما بعد في ظل الملل الفكري القائم.

     وقد ينسجم اثنان بينهما فرق كبير في العمر، وقد ينسجم اثنان بينهما فرق كبير في المستوى الاجتماعي، ولكن لا ينجح اثنان بينهما هوة في التفكير، فالفرق في العمر يعوضه التقارب الفكري، والفرق في الدرجة الاجتماعية يعوض التقارب الفكري، أما التفاوت الفكري فلا يعوضه أي شئ.. لا مال ولا جمال فالجاذبية الحقيقية للإنسان هي جاذبية فكره.

·       الذكاء في الزواج:

      قد يكون الإنسان جميلا.. ولكن ثقيل الدم، و ثقل الدم معناه انغلاق العقل، أما خفة الظل فتعني فكرا متجددا إبداعيا، تعني حركة الفكر الإيجابية.. تعني الذكاء في الزواج.

       والذكاء نوعان في الزواج ذكاء وجداني و ذكاء إجتماعي، أما ذكاء الوجدان فمعناه القدرة على الوصول للقلوب والعقول معا والتأثير فيهما، الاحساس بالآخر وقراءة أفكاره ومعرفة حالته الداخلية دون أن يتحدث عنها، ذكاء الوجدان معناه تقدير الآخر في كل ظروفه، الكياسة.. اللباقة.. الذوق الحسي.. مراعاة حساسية الطرف الآخر لأمور معينة.

        أما الذكاء الاجتماعي فهو القدرة على الإقناع بإستخدام المنطق البسيط الهادئ السهل المفهوم، فمن عوامل نجاح أي زواج أن تستطيع الوصول بالطرف الآخر إلي عمل ما تريد أنت أن يفعله وهو يكون مقتنع بما أقدم على فعله.

        وفي حديثنا عن الذكاء نجد أن الحب الحقيقي هو حب بين عقل وعقل، فالعقول مقرها القلوب "وفي قلوبهم أفلا يعقلون" فالحب إعجاب عقل بآخر، قبول عقل لآخر، فالحب الأمثل والأصلح هو الأدوم هو القائم على الإنجذاب العقلي.. فإن قام الحب أساسا على حقد وكان الزواج فتكون الحياة بين الزوجين تبديد للغربة والإغتراب، تكون المتعة الكلية، الإحساس بالإمتلاء والإشباع والأهم من ذلك كله الإحساس بالأمان.

        والقبول المبدئي هو قبول العقل.. تلتقي بإنسان فتتحاور معه فإذا بك تقبله أو ترفضه.. تتمني أن تلقاه مرة أخري أو تتمني أن تكون معه أبدا.. فمن ننجذب إليه فكريا يكون جميلا في عينيك.. وبالتالي فإن العين ليست نافذة للقلب وإنما هي نافذة للعقل أو القلب العاقل، فرؤية الجمال وتقديره ما هي إلا إحساس عاقل.

·       الجنس في الزواج:

      الجنس غريزة.. والطعام غريزة.. ولكن الإنسان لو إمتنع عن  الطعام يموت، أما إذا إمتنع عن الجنس فإنه لايموت ولكن يعاني نفسيا، وذلك لأن الجنس المشبع للإنسان ليس متعة جسدية محضة، بل هي متعة جسدية ونفسية إذ أن قدرا من الإرضاء النفسي يتحقق للإنسان من ممارسة الجنس مع من يحب أي مع زوجة.. ذلك إن كان يحبه أصلا.. أما إن كان غير ذلك فيصبح الجنس تلبية لإحتياج جسدي فقط  دون أن يترك أثرا نفسيا لدى الطرفين، فهذا هو الإشباع المنقوص، وإن جاز لنا التعبير فهو ليس جنسا إنسانيا ويستطيع الإنسان أن يدرك هذا الفرق بسهولة إذا مارس الجنس بلا حب.. فهو أقرب إلي الحيوانية، وأن ثمة مشاعر دونية ومشاعر غير طيبة تعقب هذه الممارسة بعد الإنتهاء من تحقق متعة الجسد.. وأحيانا يكون هناك إحساس بالتقزز والإشمئزاز وخاصة لدى الإنسان الأقرب للسواء النفسي،

        والمشكلة تكمن في أن بعض الأزواج وكذلك الزوجات.. يمارسون الجنس للجنس.. أي للمتعة الجسدية فقط، ولا يشعرون بأي إنتقاص أو أي مشاعر سلبية بل يكونون نهمين لمثل هذه الممارسات، وهؤلاء هم الذين يبحثون عن هذه الفورية.. ولكن هذه الملذات الفورية تحقق لهم إرضاءا ماديا لا يصلون به إلي الإرضاء النفسي والروحي.

        وهؤلاء الأشخاص لا يعرفون الوفاء في علاقتهم بالآخر، بل تتعدد علاقاتهم بحثا عن اللذة وتحت ضغط الغريزة وإذا نظرت إلي أسلوب حياتهم، فإنك تلاحظ طغيان المادة والضعف أمام الغرائز وبرودة المشاعر وعدم القدرة على إقامة علاقة عاطفية مستقرة بإنسان آخر، وهم غير قادرين على العطاء ولا يستطيعون إسعاد غيرهم، فالحياة الزوجية لديهم قائمة على الإحتياجات المادية فقط.. فإن لم تتحقق هذه الإحتياجات فهم يديرون ظهورهم لشريك الحياة.

        وهناك نوعا آخر من البشر يرون للحب وظيفة هامة في حياتهم تكمن في التعبير عن التواصل مع الآخر، تعبيرا عن المشاعر الصادقة والذي يحقق اقترابا شديدا مما يحبون وتتخلل المتعة النفسية مراحل الإمتاع الجسدي، هذا الإنسان لا يستطيع أن يمارس الجنس إلا مع إنسان يحبه، فهو لا يهفو جسديا إلي إنسان آخر مثله في ذلك مثل أي من الحيوانات.

        والسؤال.. متى يكون الجنس عبئا نفسيا؟ أجيب أنه في بعض  حالات الزواج الروتيني كما أحب أن أسميه- فإن الجنس يصبح عبئا نفسيا.. بدلا من أن يكون مصدرا للنشوة النفسية فيصبح واجبا ثقيلا.. يصبح مهمة صعبة لابد أن يؤديها الطرفان، وتدريجيا يبتعد الزوجان جسديا ويكون ذلك ملائما ومتفقا مع إبتعادهما النفسي، وقد يصبح الزوجان في حالة من الزهد الجنسي أو العزوف، وكلما إزداد النفور تتضاعف مشكلات العلاقة الجنسية بين الزوجين وتصبح في المقدمة كأنها سبب لإضطراب العلاقة بينهما ولكن الحقيقة أن المسألة الجنسية هي ثانوية نتيجة للإنشقاق العاطفي بين الرجل والمرأة.

        والمشكلة الحقيقية تظهر في أن مشاعر الحب والإحترام التقدير التي تتساقط من بين الزوجين لا تزول وحسب، ولكن تحل محلها مشاعر الكراهية والحقد والعداوة، فيكون الجنس عدوان يقع من طرف على آخر وانتهاك لآدميته في بعض الحالات.

 مقالات أخري