الأربعاء 04 جمادى الأولى 1443  الموافق  08/12/2021 

مقال الدكتور احمد هارون

كيف نُقوي الإرادة النفسية؟ تقوية إرادة الذات في الخَمسُ المُنجيات!

كيف نُقوي الإرادة النفسية؟ تقوية إرادة الذات في الخَمسُ المُنجيات!

ما يميز الانسان الناجح عن غيره هو استخدامه الأمثل لمفهوم الإرادة Volition، فمن خلال ذلك المفهوم يُعيد الشخص النظر في كافة شئونه الحياتيه ليتحول من حالة الفوضى النفسية واللاهدف إلى حالة الفعالية الذاتية وتحقيق الأهداف، فتجعل الشخص المُحبط المهزوم ينهض مستبشراً مدعوم.

والإرادة تعني تلك القدرة النفسية التي تهيئ الفرد لأن يختار بطريقة واعية بعد أن يفاضل بين البدائل والممكنات، وأن يكون إيجابياً في مواقف الاختيار، لتظهر قدرتة على الرفض أو التأييد في المواقف التي تتطلب ذلك..

ومفهوم الإرادة كفعل إنما هو يعكس قوة الإنسان ومدى تمتعه بالسواء النفسي، بإعتبارها تعبير صريح عن تحرر الفرد من كافة الصراعات وعوامل الكف الداخلية، والتي قد تبدد طاقته النفسية جراء مثل هذه الصراعات النفسية الداخلية.

الإرادة كمفهوم نفسي:

في إعتقادي أن الإرادة هي بؤرة تجلى الذات الإنسانية بوصفها امتداد لإرادة الله في الأرض، بجعله الإنسان خليفته سبحانه في الدنيا، حيث تتجلى إرادة الإنسان في  تجليات عدة، هي: الأفكار، الالهام، المشاعر، الرغبات، الدوافع، الانفعالات، والتخيل.

ولعل حقيقة وعمق هذه التجليات تظهر في تلك الفجوة العميقة بين القوى الخارجية التي تحيط بالفرد وقواه الداخلية، فطبيعة الحياة بضغوطها وتعقيداتها إنما تنعكس على حساب طاقاته الروحية والعقلية وبالتالي قوة إرادته الذاتية.

ويكون الحل الأمثل لسد هذه الفجوة بين قوى الإنسان الداخلية (الإرادة) وبين القوى الخارجية المحيطة به (الضغوط) متمثلاً في إتجاهين، هما:

الأول هو تبسيط الحياة الخارجية، حيث التقليل من ضغوطها والعودة إلى الارتباط بالطبيعة والتخلي عن الخضوع للابتكارات الحديثة بعض الشيء في التخلص من التوتر والقلق.. كالتدخين أو تناول الكحوليات أو تعاطي المخدرات أو الانخراط في علاقات شخصية متتالية بشكل مباشر أو غير مباشر.

والاتجاه الثاني هو تقوية الإرادة الداخلية، حيث دعم ومساندة القوى الداخلية التي يجب أن نستعين بها في مواجهة الخطر الأكبر وهو فقدان السيطرة على الذات، كاسترجاعك لجميل ذكرياتك، أو تعدادك لنعم ربك عليك، أو إحسانك الظن بالله فيما مضى، وإستبشارك به فيما هو آت.

 

والحقيقة أن للإرادة النفسية ثلاثة أبعاد رئيسية، هي: تعدد جوانبها، بإعتبار الإرادة لابد أن تكون إرادة مكتملة سواء بالإقدام على فعل ما أو الإحجام عن القيام بفعل معين؛ وتشابك خصائصها، أي وسائل التعبيرعن تلك الإرادة النفسية في الواقع قولاً وفعلاً؛ ومراحلها، وهي عملية الإرادة نفسها أي فعل الإرادة من بدايته كفكرة أو شعور إلى نهايته كسلوك.

 وأقصد هنا بالإرادة المكتملة النمو لدي الإنسان تلك التي تقع بين أبعاد ومراحل أربع للإرادة، هي:

1. الإرادة الذاتية:

تتمثل في الاعتراف بالإرادة كمفهوم بداخلنا، أي أن الوجود الإنساني هو تحقيق لإرادة الذات بين الآخرين، ويكون التدريب هو تنمية هذه الإرادة حيث يمكن استخدامها في مختلف جوانب الحياة، وهذا ما نسميه بالإرادة القوية، وهو الذي يعتبره العوام من الناس مجمل الإرادة إلا أنه في الحقيقة ما هو إلا وجه واحد من أوجه الإرادة النفسية.

2. الإرادة الماهرة الذكية:

وهي الوصول إلى النتائج المرجوة مع بذل الجهد المناسب، كأنك عندما تريد الوصول إلى مكان معين فأنت تدرس خير الطرق للوصول إليه، ولاتقفز فوق الأسطح وتعبر البحار.. ولذلك كي تستخدم إرادتنا استخداما ماهراً علينا أن نفهم تركيبتنا النفسية الداخلية، وطبيعة الأمور المحيطة بنا.. والعلاقة بينها.

 3. الإرادة الخيرة أو الطيبة:

لا يكفي أن تتحلى الإرادة بأن تكون قوية وحاذقة بل يمكن القول الجانبين ضررها أكثر من نفعها لأن الإرادة القوية الماهرة إذا ما وجهت إلى الشر تصبح سلاحا مدمرا للذات وللمجتمع فالإنسان ذو الإرادة القوية الماهرة والقادر على استخدام ملكاته الطبيعية استخداماً غير حسناً يستطيع أن يتسلط ويفسد إرادات الآخرين، مثل زعماء العصابات وطغاة الحكام والقادة الدمويون وأصدقاء السوء، فمثل هؤلاء الذين لا يخشون شيئا ولا تعوق إرادتهم أي اعتبارات أخلاقية سيكون تأثيره مدمراً على المجتمع ويقدم التاريخ أمثلة كثيرة لمثل هذا النوع من الشخصيات.. لذلك لا تكتمل الإرادة إلا إذا وجهت إلى الخير وأن نتدرب على اختيار الأهداف الطيبة فلن نستطيع استخدام الإرادة التي وضعها الله فينا الاستخدام الأمثل لها إلا إذا استخدمناها في صالح البشر فتصبح قوية وماهرة وخيرة.

 4. الإرادة العليا:

إن الجوانب الثلاثة التي ذكرناها تكون الإرادة فيهم لدي الفرد العادي ممثلةً الحد الكافي لأن يحقق الفرد المرحلة التي يصبح فيها الإنسان كله إرادة وهي مجموع الإيرادات السابقة بشكل أو بآخر ليحيا حياة مثمرة لنفسه ولغيره.. إلا أن هناك بُعداً آخر باعثاً لارادة الانسان ومكملاً لها، ألا وهو البعد الديني أو الجانب الروحاني، ففي تلك المرحلة يصبح فيها الإنسان ذاته كله إرادة ذاتية وهي مجموع الإيرادات النفسية السابقة.

 

طرق تقوية الإرادة الذاتية:

التساؤل الأبرز هنا هو.. كيف نُقوي إرادتنا الداخلية؟

 أُجمل لكم طرق وأساليب تقوية إرادة الذات في الخَمسُ المُنجيات..

 1. كُن مؤمناً بالله وقضائه وقدره:

حيث أثبتت العديد من الدراسات الحديثة أن الأشخاص الذين لديهم مستوى إيمان مرتفع تكون قدرتهم على مواجهة محن وأزمات وصدمات الحياة أفضل من الأشخاص الأقل إيماناً؛ كما أن الإيمان بالقدر خيره وشره يجعل الشخص يفلسف كافة الأحداث التي تقع له في صالحه فإن أصابته سراء وشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء وصبر كان خيراً له، وهذا لايكون إلا للمؤمن.

 2. كُف عن لوم نفسك:

من المحزن أن تحصر مشاعرك في لومك الدائم لنفسك سواء على مافعلت أو على مالم تفعل من تصرفات.. فلومك لنفسك على فعل أتيته لن يمنع وقوعه، كما أن لومك لها على فعل لم تأتيه لم يُعِد لك الموقف نفسه مجدداً.. إنما إستبشر وأقبل على حياتك واضعاً أخطائك نصب عينيك لعلك تتفادى تكرارها مستقبلاً.

 3. إفهم ذاتك:

في الوقت الذي قطع فيه العلم أشواطا هائلة لفهم الطبيعة وما وراء الطبيعة نجد أن الكثير من جوانب النفس الإنسانية ما زالت غامضة ومستعصية الفهم على الإنسان، ومن هنا كان على الفرد أن يحاول فهم ذاته من خلال التعرف على مميزاته وجوانب قصوره دون تهويل أو تهوين لهذا الجانب أو ذاك، فهم الذات يتطلب أن يعي الفرد إمكانياته وقدراته وجوانب الخلل والقصور في شخصيته.

 4. ضع أهدافاً مناسبة لإمكانياتك وقدراتك:

إذ من صور المأساة الإنسانية أن يبالغ الشخص فيما يضعه لنفسه من معايير وأهداف يسعى إلى تحقيقها فيصدم نفسياً بعدم قدرته على تحقيق ما تمنى لنفسه (فهو تنماه ولم ينتويه)، كأن يزج الشخص بنفسه دراسة ما  من الدراسات قد لا يتفق مع ميوله، مما يجعله يحقق مزيدا من الفشل والذي ينعكس بدوره في حالات الإحباط والتوتر والاكتئاب التي قد يسقط الفرد فيها فتقوده إلى مالا يحمد عقباه.

 5. إياك وتعميم الفشل:

كل منا قد لا يحسن التصرف في موقف ما أو مواقف عدة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة الفشل المطلق في كل المواقف المتشابهةن فهناك العديد من العوامل التي تخرج بها من أي موقف محبط إذا ما وضعتها نصب عينيك ستحقق إنجازاً أفضل فيما هو لاحق من مواقف.. فإن لم تكتسب علماً ببعض الأمور إكتسبت تعلماً لبعض المهارات، وإن لم تكتسب نضجاً لتسيير الأمور إكتسبت خبرةً لتفادي العقبات.. فقط تفاءل وأحسن الظن في الله ثم في نفسك وما هو حولك.

 ذلك والله من وراء قصد.. يقول الحق ويهدي إلى السبيل

 

 مقالات أخري