الجمعة 09 صفر 1440  الموافق  19/10/2018 

مقال الدكتور احمد هارون

أسباب الكذب عند الأطفال.. وروشتة العلاج

أسباب الكذب عند الأطفال.. وروشتة العلاج

بالرغم من صفاء نفوسهم، وجمال ابتسامتهم، إلا أنهم في أحياناً كثيرة يتخلون عن فطرتهم السليمة،ويلجأون للكذب ليصبح أسلوب حياة بالنسبة لهم، هؤلاء هم الأطفال الذين لم يلتفت إليهم أبويهم، وودفعوهم بمعاملتهم الخاطئة معهم إلى مثل هذه السلوكيات المذمومة، ونحن هنا في "ماسبيرو نت " ندق جرس الإنذار حول خطورة هذه الظاهرة مع الدكتور أحمد هارون، استشاري العلاج النفسي،ونوجه من خلاله نداء عاجل إلى كل الأباء والأمهات لكي يأخذوا حذرهم، ونقول لهم "سعادة أطفالكم أمانة بين أيديكم".

 

أسباب الكذب عند الأطفال

ويوضح هارون أنه  في أحيان كثيرة يكون لدي بعض الأطفال إستعداد فطري للكذب وذلك في في حالة امتلاكهم لخيال خصب أويكون لديهم قدرة كلامية،ولباقة عالية، ومن أهم أسباب الكذب لدي الأطفال:

1. عدم توافر القدوة في الأسرة: حيث يلاحظ الطفل لجوء بعض أفراد الأسرة كالوالدين إلي الكذب في مواقف معينة، بل وأحيانا يطالب الوالدين الطفل بممارسة الكذب.

2. قيام الطفل بسلوكيات يسيئ الوالدان إحتوائهما: مثل قيامه بإتلاف شئ ما أو الخوف والحساسية الشديدة.

3. البيئة غير السوية: الغير المترابطة التي يتخللها الخداع والغش وعدم الصدق.

 

من يوميات العيادة النفسية: حالة طفل يكذب

ويدلل هارون على ذلك بحالة طفل عمره 8 سنوات وأتت أمه إلى العيادة لتعالجه من داء الكذب الذي تكرر بصورة شديدة ليؤدي في بعض الأحيان إلي مشاكل أسرية وتأخر دراسي مستمر، حيث كان المدرسين دائمين الشكوي من تعثر الطفل دراسيا وبفحص الحالة تبين أن الطفل هو ثالث إخواته، كسول دراسيا، ولديه ميل شديد للعب والنعاس عندما يبدأ في عمل الواجب المدرسي بمساعدة والدته، إضافة إلي التمارض المستمر هربا من المدرسة ومتطلباتها، وكان والد الطفل تاجر حر يعود للمنزل في نهاية اليوم (مساءا) وغالبا ما يكون الأطفال نائمين حين عودته، أما الأم فهي عصبية جدا جدا، وكانت معذورة في ذلك فقد أرهقها العمل المنزلي طوال اليوم ورعاية أربعة أطفال ثالثهم يمثل كارثة أدبية بسبب الكذب المستمر أما باقي أخوته فهم ليسوا أفضل حالا، فهم كذلك مصابون إما بالتوتر الشديد أو التعثر الدراسي أو التبول اللاإرادي مع إضطرابات النوم لدي الأطفال الأربعة.

 

 وكان الطفل عندما يسئل عن الواجب المدرسي يقول.. كانت المدرسة غائبة اليوم، قمنا بعمل الواجب في الفصل، لا يوجد واحب مدرسي اليوم.. أما الأم في ظل كل هذا فكانت تعاني التوتر الشديد والذي كان يدفعها إلي ضرب الولد ضربا مبرحا لأقل الأسباب، خصوصا اثناء مراجعتهما دروسه المدرسية الأمر الذي أدي إلي خوف الأبناء الأربعة منها فكانوا يلجئون إلي الكذب هروبا من العقاب الشديد الذي تلجأ إليه دائما، وبتحليل هذه الحالة يتضح أن هذا الطفل يعيش في أسرة ينقصها الترابط الأسري والجو الدافئ الذي يشعر فيه بالحب والحنان والرعاية من الوالدين.. فكان يلجأ إلي الكذب كوسيلة دفاعية عن الذات لوقاية النفس من أذي السلطة الجائرة الممثلة في قسوة الأم وعصبيتها وإلتجائها إلي الضرب العنيف دون تقدير لمشاعر وأحاسيس هذا الطفل الذي يعاني داخليا من صراعات نفسية لا تشعر بها ولا تحسها.. فكان يعاني من قسوتها من ناحية ومن قسوة المدرسات من ناحية أخري فتكون النتيجة ليخلص نفسه من هذه الصراعات التي يعيش فيها هي لجوئه إلي الكذب.

 

ويقول هارون كان لابد من علاج هذه الحالة أن نوضح للأم أخطائها في تنشئة إبنها وكان لابد أيضاً من مقابلة الوالد لنوضح له حاجة الأبناء لوجوده بينهم ليشعروا بالأمان والإستقرار كي تستقر إنفعالاتهم الداخلية من ناحية، وليخفف عنف وقسوة الأم عليهم بتعاونه معها في المشاركة في عنايتهم من ناحية أخري، وفي نفس الوقت كان من الضروري خضوع الطفل لعدد من جلسات العلاج النفسي الذي يعاني نفسيا من صراعات داخلية لحرمانه من إشباع حاجاته النفسية التي من أهمها الحاجة إلي الحب والحماية والتقدير والتشجيع.. وغيرها، وبعد فترة وجيزة من جلسات العلاج النفسي السلوكي للطفل، مع توجيه وإرشاد الوالدين، أمكن للطفل أن يتوقف عن الكذب وإستقرت إنفعالاته وهدأت الأم نفسيا بعد عمل بعد الجلسات المتفردة معها لتقليل حدة توترها.

 

أنواع الكذب عند الأطفال 

ويشير هارون أن الكذب عند الأطفال يأخذ أشكال عديدة من أهمها:

1. الكذب الخيالي:

يكون في أحيان كثيرة تعبيرا عن أحلام اليقظة والقصص الخيالية وهي تعبير عن الآمال والرغبات التي لا يتمكن الأطفال من الإفصاح عنها باسلوب واقعي، وهنا من واجب الآباء تهيئة الفرص للأطفال حتي يعبروا عن أنفسهم بهذا الأسلوب الخيالي، كأن يساعدوهم علي التفريق بين الواقع والخيال.

2. الكذب الإدعائي:

هذا النوع من الكذب يلجأ إليه بعض الأطفال الذين يعانون من الشعور بالنقص لتغطية هذا الشعور بالمبالغة فيما يملكون أو في صفاتهم أو صفات والديهم بهدف الشعور بالمركز في وسط أقرانهم، ومثال ذلك إدعاء الطفل أن والده يشغل مركز عسكري أو مهنة معينة (رجل أعمال) أو ما هو منافي لطبيعة عمل والده الفعلية.

3. الكذب المُغرض:

هنا الطفل يكذب بهدف تحقيق غرض معين في نفسه، ومن أبرز الأمثلة عن هذا النوع من الكذب أن يطلب الطفل من والده بعض النقود مدعيا أن مدرس الفصل طلبها لغرض ما يجتمع عليه طلبة الفصل الواحد، ويكون هذا غير صحيح أو هناك فارق في النقود لصالح الطفل.

4. الكذب الدفاعي:

هو أكثر أنواع الكذب شيوعا، ويلجأ إليه الأطفال جميعا خوفا مما قد يقع عليهم من عقوبة، ويزداد هذا الكذب كلما كانت معاملة الطفل علي اخطائه قاسية شيئا ما بهدف قول الصدق.

5. كذب التقليد:

كثيرا ما يكذب الطفل تقليدا لوالديه ولمن حوله يلاحظ في حالات كثيرة أن الوالدين نفسيهما يكذب الواحد منهما علي الآخر.

6. الكذب الإنتقامي:

وهنا يكذب الطفل بغرض إلقاء اللوم علي شخص يكرهه أو يعارضه، ويحدث ذلك عادة بسبب التفرقة في المعاملة بين الأخوة، فالطفل الذي يشعر بأن له أخا مفضلا عليه يلجأ إلي الكذب فيتهمه بإتهامات يترتب عليها عقابه أو سوء معاملته.

7. الكذب العنادي:

أحيانا يكذب الطفل لمجرد السرور الناشئ من تحدي السلطة خصوصا إذا كانت شديدة الرقابة قليلة التعاطف.

8. الكذب المزمن أو المرضي:

هو حالة مرضية قد يجد الطفل فيها نفسه مدفوعا حيالها للكذب لا شعوريا، فيكذب في أغلب المواقف ويعرف عنه أنه كاذب دائما، ويكون الطفل عادة غير ناجح في حياته المدرسية، ويعاني شعورا شديدا بالنقص، ومع العجز في النجاح يلجأ إلي الكذب ليحقق رغبته الشديدة في النجاح أو في تحقيق أهدافه كطفل.

 

دور الوالدين في علاج الكذب عند الأطفال

ويؤكد هارون أن للوالدين دور كبير في علاج الكذب عند الأطفال يتلخص في عدة خطوات  

1. البحث عن دوافع الكذب: يجب الإدراك بأن الكذب قد يكون مصحوبا بسلوكيات أخري، كالسرقة أو العصبية الزائدة، أو نوبات الغضب المتكرر.. لذلك فإن علاج هذه الحالة يستوجب البحث عن الدوافع والحاجات النفسية غير المشبعة والتي أدت إلي ظهور هذا العرض.

2. الإقلاع نهائيا عن علاج الكذب بالعقاب: والتشهير بالطفل والتهديد والسخرية ذلك لأن العقاب والتهديد لن يردي الطفل عن الكذب بل سيؤديا إلي ظهور أعراض سلوكية أخري، وكذلك التشهير والسخرية لها أثر سيئ للغاية علي شخصية الطفل نفسيا وسلوكيا.

3. توفير بيئة متسامحة: يجب أن يبدأ العلاج بالبيئة التي يعيش فيها الطفل، فعلي الوالدين أن يساعدا الطفل علي الحصول علي إشابع حاجاته النفسية الأساسية كالحب، والحنان، والشعور بالثقة في النفس والتقدير والإحترام. كذلك علي الوالدين أن يكونا قدوة صالحة للأبناء وأن يتيحا لهم الإحساس بالأمان في بيئة متسامحة.

نُشر بمجلة الإذاعة والتليفزيون "ماسبيرو"

 مقالات أخري